فصل: تفسير الآية رقم (186):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (186):

{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}
هذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. {ولتسمعن} إن قيل: لم ثبتت الواو في: {لَتُبْلَوُنَّ} وحذفت من {وَلَتَسْمَعُنَّ}، فالجواب أن الواو في: {لَتُبْلَوُنَّ} قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين، وخصت بالضمة لأنها واو الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها، وحذفت من {وَلَتَسْمَعُنَّ} لان قبلها ما يدل عليها. ولا يجوز همز الواو في: {لَتُبْلَوُنَّ} لان حركتها عارضة، قاله النحاس وغيره. ويقال للواحد من المذكر: لتبلين يا رجل. وللاثنين: لتبليان يا رجلان. ولجماعة الرجال: لتبلون. ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء. ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245] فلطمه، فشكاه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت. قيل: إن قائلها فنحاص اليهودي، عن عكرمة. الزهري: هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه، وكان شاعرا، وكان يهجو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، ويؤلب عليه كفار قريش، ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة المشهورة في السير وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا.
وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي: إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال ابن رواحة: نعم يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المشركون الذين كانوا حول ابن أبي والمسلمون، وما زال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسكنهم حتى سكنوا. ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض، فقال: «ألم تسمع ما قال فلان» فقال سعد: أعف عنه واصفح، فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونزلت هذه الآية. قيل: هذا كان قبل نزول القتال، وندب الله عباده إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في البخاري في سياق الحديث، إن ذلك كان قبل نزول القتال. والأظهر أنه ليس بمنسوخ، فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا مندوب إليها، وكان عليه السلام مع الامر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم، ويصفح عن المنافقين، وهذا بين. ومعنى: {عَزْمِ الْأُمُورِ} شدها وصلابتها. وقد تقدم.

.تفسير الآية رقم (187):

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ} هذا متصل بذكر اليهود، فإنهم أمروا بالايمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره، فكتموا نعته. فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب. فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة.
وقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ} الآية. وقال: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 42] وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ}.
وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث، فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني. فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. قال حدثني.
قلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا. قال: فحدثني أربعين حديثا.
الثانية: الهاء في قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} ترجع إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن لم يجر له ذكر.
وقيل: ترجع إلى الكتاب، ويدخل فيه بيان أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه في الكتاب. وقال: {وَلا تَكْتُمُونَهُ} ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال، أي لتبيننه غير كاتمين. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة {لَتُبَيِّنُنَّهُ} بالتاء على حكاية الخطاب. والباقون بالياء لأنهم غيب. وقرأ ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه}. فيجيء قوله: {فَنَبَذُوهُ} عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء.
وفي قراءة ابن مسعود {ليبينونه} دون النون الثقيلة. والنبذ الطرح. وقد تقدم بيانه في البقرة. {وَراءَ ظُهُورِهِمْ} مبالغة في الاطراح، ومنه {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [هود: 92] وقد تقدم في البقرة بيانه أيضا. وتقدم معنى قوله: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} في البقرة فلا معنى لإعادته. {فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ} تقدم أيضا. والحمد لله.

.تفسير الآية رقم (188):

{لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)}
أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر. ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا} الآية.
وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} و{لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا}.
وقال ابن عباس: سألهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه، وما سألهم عنه.
وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم، {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا، فقال الله لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}. فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله.
وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبيا في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقال اليهود طمعا في أموال الملوك: هو غير ذلك، فأعطاهم الملوك الخزائن، فقال الله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا} الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض الدنيا. والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني. ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد، فكانت جوابا للفريقين. والله أعلم. وقوله: واستحمدوا بذلك إليه، أي طلبوا أن يحمدوا. وقول مروان: لئن كان كل امرئ منا إلخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة، وأن {الَّذِينَ} منها. وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن والسنة. وقوله تعالى: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا} إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين، لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه، وكانوا يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، يريدون أن يحمدوا بذلك. و{الَّذِينَ} فاعل بيحسبن بالياء. وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب.
وقيل: المفعول الأول محذوف، وهو أنفسهم. والثاني {بِمَفازَةٍ}. وقرأ الكوفيون {تَحْسَبَنَّ} بالتاء على الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب. وقوله: {فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ} بالتاء وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف، أي كذلك، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول. وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء {فلا تحسبنهم} أراد محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن أنفسهم، {بِمَفازَةٍ} المفعول الثاني. ويكون {فلا يحسبنهم} تأكيدا.
وقيل: {الَّذِينَ} فاعل {بيحسبن} ومفعولاها محذوفان لدلالة {يحسبنهم} عليه، كما قال الشاعر:
بأي كتاب أم بأية آية ** ترى حبهم عارا على وتحسب

استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول، الثاني، و{بِمَفازَةٍ} الثاني، وهو بدل من الفعل الأول فأغنى لابداله منه عن ذكر مفعولية، والفاء زائدة.
وقيل: قد تجئ هذه الافعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر:
وما خلت أبقى بيننا من مودة ** عراض المذاكي المسنفات القلائصا

المذاكي: الخيل التي قد أتي عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، الواحد مذك، مثل المخلف من الإبل، وفي المثل جري المذكيات غلاب، والمسنفات اسم مفعول، يقال: سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه، وأسنف البعير لغة في سنفه، وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه، يتعدى ولا يتعدى. وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل، تقول: الحرب لا تبقي مودة.
وقال كعب بن أبي سلمى:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ** وما إخال لدنيا منك تنويل

وقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم {أَتَوْا} بقصر الالف، أي بما جاءوا به من الكذب والكتمان. وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي {آتوا} بالمد، بمعنى أعطوا: وقرأ سعيد بن جبير {أوتوا} على ما لم يسو فاعله، أي أعطوا. والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا، أي ليسوا بفائزين. وسمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي.
وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سميت مفازة، لأن من قطعها فاز.
وقال الأصمعي: سمي اللديغ سليما تفاؤلا. قال ابن الاعرابي: لأنه مستسلم لما أصابه.
وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب، لأن الفوز التباعد عن المكروه. والله أعلم.

.تفسير الآية رقم (189):

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}
هذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وتكذيب لهم.
وقيل: المعنى لا تظن الفرحين ينجون من العذاب، فإن لله كل شي، وهم في قبضة القدير، فيكون معطوفا على، الكلام الأول، أي إنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء. {وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ} أي ممكن {قَدِيرٌ} وقد مضى في البقرة.

.تفسير الآيات (190- 200):

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}
فيه خمس وعشرون مسا له: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} تقدم معنى هذه الآية في البقرة في غير موضع. فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته، إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سلام غني عن العالمين، حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد. {لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ} الذين يستعملون عقولهم في تأمل الدلائل. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام يصلى، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرءاه يبكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال: «يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا ولقد أنزل الله على الليلة آية {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْباب} ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها».
الثانية: قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي، ثم يصلي ما كتب له، فيجمع بين التفكر والعمل، وهو أفضل العمل على 17 خط حذف شده است. ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا. وروي عن أبى هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة، خرجه أبو نصر الوائلي السجستاني الحافظ في كتاب الإبانة من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة. وقد تقدم أول السورة عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة.
الثالثة: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ} ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم. فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا، فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي. والأول أصح لعموم الآية والحديث. قال النخعي: لا بأس بذكر. الله في الخلاء فإنه يصعد. المعنى: تصعد به الملائكة مكتوبا في صحفهم، فحذف المضاف. دليله قول تعالى: {ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. وقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ} [الانفطار: 10- 11]. ولان الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] وقال: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 3] فعم. فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى.
وذكر أبو نعيم قال: حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار قال قال موسى عليه السلام: «يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال: يا موسى أنا جليس من ذكرني قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ونعظمك أن نذكرك قال: وما هي؟ قال: الجنابة والغائط قال: يا موسى اذكرني على كل حال». وكراهية من كره ذلك إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها ككراهية قراءة القرآن في الحمام، وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفظ به. والله أعلم. و{قِياماً وَقُعُوداً} نصب على الحال. {وَعَلى جُنُوبِهِمْ} في موضع الحال، أي ومضطجعين ومثله قول تعالى: {دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً} [يونس: 12] على العكس، أي دعانا مضطجعا على جنبه. وذهب، جماعة من المفسرين منهم الحسن وغير إلى أن قوله: {يَذْكُرُونَ اللَّهَ} إلى آخره، إنما هو عبارة عن الصلاة، أي لا يضيعونها، ففي حال العذر يصلونها قعودا أو على جنوبهم. وهي مثل قول تعالى: {فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] في قول ابن مسعود على، ما يأتي بيانه. وإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلى قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، كما ثبت عن عمران بن حصين قال: كان بي البواسير فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه الأئمة. وقد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي قاعدا قبل موته بعام في النافلة، على ما في صحيح مسلم.
وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي متربعا. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحد روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ. والله أعلم.
الرابعة: واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها، فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربع في قيامه، وقال البويطي عن الشافعي فإذا أراد السجود تهيأ للسجود على قدر ما يطيق، قال: وكذلك المتنفل. ونحوه قول الثوري، وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.
وقال الشافعي في رواية المزني: يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد.
وروى هذا عن مالك وأصحابه، والأول المشهور وهو ظاهر المدونة.
وقال أبو حنيفة وزفر: يجلس كجلوس التشهد، وكذلك يركع ويسجد.
الخامسة: قال: فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير، هذا مذهب المدونة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر.
وفي كتاب ابن المواز عكسه، يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر.
وقال سحنون: يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر.
وقال مالك وأبو حنيفة: إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة. والشافعي والثوري: يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة.
السادسة: فإن قوي لخفة المرض وهو في الصلاة، قال ابن القاسم: إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى، وهو قول الشافعي وزفر والطبري.
وقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح: إنه يستقبل الصلاة من أولها، ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم يبن في قول محمد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حد الإيماء فليبن، وروي عن أبي يوسف.
وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس: إنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع، فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود، وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي وقال، أبو حنيفة وأصحابه: يصلي قاعدا.
السابعة: وأما صلاة الراقد الصحيح فروي عن حديث عمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره، وهي: «صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد». قال أبو عمر: وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافل مضطجعا، وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلم وهو حسين ابن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين، وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه، وإن صح فلا أدري ما وجهه، فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر، وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك. وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقدا لمن قدر على القعود أو القيام، فحديث حسين هذا إما غلط وإما منسوخ.
وقيل: المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن المتغير لا بد له من مغير، وذلك المغير يجب أن يكون قادرا على الكمال، وله أن يبعث الرسل، فإن بعث رسولا ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لاحد عذر، فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال. والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} قد بينا معنى: {يَذْكُرُونَ} وهو إما ذكر باللسان وإما الصلاة فرضها ونفلها، فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى، وهي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر الذي بث، ليكون ذلك أزيد بصائرهم:
وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه واحد

وقيل: {يتفكرون} عطف على الحال.
وقيل: يكون منقطعا، والأول أشبه. والفكرة: تردد القلب في الشيء، يقال: تفكر، ورجل فكير كثير الفكر، ومر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قوم يتفكرون في الله فقال: «تفكروا في الخلق، ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره» وإنما التفكر والاعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ}. وحكي أن سفيان الثوري رضي الله عنه صلى خلف المقام ركعتين، ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم أغفر لي فنظر الله إليه فغفر له» وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا عبادة كتفكر». وروي عنه عليه السلام قال: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة».
وروى ابن القاسم عن مالك قال: قيل لام الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قيل له: أفترى التفكر عمل من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال: ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله.
وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقاله ابن العباس وأبو الدرداء.
وقال الحسن: الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته. ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها. ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكرا حتى طلع الفجر، فقال له: ما هذا يا أبا سليمان؟ قال: إني لما طرحت إصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى: {إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ} [المؤمن: 71] تفكرت، في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. قال ابن عطية: وهذا نهاية الخوف، وخير الأمور أوساطها، وليس علماء الامة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا. قال ابن العربي: اختلف الناس أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة، فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل، فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل، المقامات الشرعية. وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل، لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها.
وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة، وفيه: فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الحواتم من سورة آل عمران، وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة، الحديث. فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده، وهذه السنة هي التي يعتمد عليها. فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر، فطريقه بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر، ولا مستمرة على السنن. قال ابن عطية: وحدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الاقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلي مع الناس، فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لاعظه، فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا:
مسجى الجسم غائب حاضر ** منتبه القلب صامت ذاكر

منقبض في الغيوب منبسط ** كذاك من كان عارفا ذاكر

يبيت في ليله أخا فكر ** فهو مدى الليل نائم ماهر

قال: فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة، فانصرفت عنه.
التاسعة: قوله تعالى: {رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا} أي يقولون: ما خلقته عبثا وهزلا، بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك. والباطل: الزائل الذاهب. ومنه قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل

أي زائل. و{باطِلًا} نصب لأنه نعت مصدر محذوف، أي خلقا باطلا وقيل: أنتصب على نزع الخافض، أي ما خلقتها للباطل.
وقيل: على المفعول الثاني، ويكون خلق بمعنى جعل. {سُبْحانَكَ} أسند النحاس عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن معنى سبحان الله فقال: «تنزيه الله عن السوء» وقد تقدم في البقرة معناه مستوفى. و{فَقِنا عَذابَ النَّارِ} أجرنا من عذابها، وقد تقدم.
العاشرة: قوله تعالى: {رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي أذللته وأهنته.
وقال المفضل: أي أهلكته، وأنشد:
أخزى الاله من الصليب عبيده ** واللابسين قلانس الرهبان

وقيل: فضحته وأبعدته، يقال: أخزاه الله: أبعده ومقته. والاسم الخزي. قال ابن السكيت: خزي يخزي خزيا إذا وقع في بلية. وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا: من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمنا، لقوله تعالى: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فإن الله يقول: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8]. وما قالوه مردود، لقيام الادلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الايمان، كما تقدم ويأتي. والمراد من قوله: {مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ} من تخلد في النار، قاله أنس بن مالك.
وقال قتادة: تدخل مقلوب تخلد، ولا نقول كما قال أهل حروراء.
وقال سعيد بن المسيب: الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار، ولهذا قال: {وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ} أي الكفار.
وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. قال ذو الرمة:
خزاية أدركته عند جولته ** من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب

فخزي المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها. والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون، فافترقوا. كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه مسلم، وقد تقدم ويأتي.
الحادية عشرة: قوله تعالى: {رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ} أي محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين.
وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي: هو القرآن، وليس كلهم سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا: {إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1- 2]. وأجاب الأولون فقالوا: من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا صحيح معنى. ولِلْإِيمانِ من {أَنْ آمِنُوا} في موضع نصب على حذف حرف الخفض، أي بأن أمنوا.
وفي الكلام تقديم وتأخير، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي، عن أبي عبيدة.
وقيل: اللام بمعنى إلى، أي إلى الايمان، كقوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ} [المجادلة: 8]. وقوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها} [الزلزلة: 5] وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا} [الأعراف: 43] أي إلى هذا، ومثله كثير.
وقيل: هي لام أجل، أي لأجل الايمان.
الثانية عشرة: قوله تعالى: {رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا} تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد، فإن الغفر والكفر: الستر. {وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ} أي أبرارا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم وبر وبار وأصله من الاتساع، فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: {رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ} أي على ألسنة رسلك، مثل: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ}. وقرأ الأعمش والزهري {رسلك} بالتخفيف، وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض. وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لامته. {وَلا تُخْزِنا} أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا، ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة {إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ}. إن قيل: ما وجه قولهم {رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول- أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي: والعقاب.
الثاني- أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع، والدعاء مخ العبادة. وهذا كقوله: {قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق.
الثالث- سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا، لأنها حكاية عن أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسألوه ذلك إعزازا للدين. والله أعلم.
وروى أنس ابن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار». والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد، حتى قال قائلهم:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ** ولا اختفى من خشية المتهدد

وإني متى أوعدته أو وعدته ** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

الرابعة عشرة: قوله تعالى: {فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} أي أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم.
وقال جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرءوا إن شئتم {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ} إلى قوله: {إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ} [آل عمران: 191- 194].
الخامسة عشرة: قوله تعالى: {أَنِّي} أي بأني. وقرأ عيسى بن عمر {إني} بكسر الهمزة، أي فقال: إني.
وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: {فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى} الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت {مِنْ} للتأكيد، لأن قبلها حرف نفي.
وقال الكوفيون: هي للتفسير ولا يجوز حذفها، لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد. {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} ابتداء وخبر، أي دينكم واحد.
وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك.
وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. ويقال: فلان مني، أي على مذهبي وخلقي.
السادسة عشرة: قوله تعالى: {فَالَّذِينَ هاجَرُوا} ابتداء وخبر، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة. {وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ} في طاعة الله عز وجل. {قاتَلُوا} أي وقاتلوا أعدائي. {وَقُتِلُوا} أي في سبيلي. وقرأ ابن كثير وابن عامر: {وقاتلوا وقتلوا} على التكثير. وقرأ الأعمش {وقتلوا وقاتلوا} لان الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول.
وقيل: في الكلام إضمار قد، أي قتلوا وقد قاتلوا، ومنه قول الشاعر:
تصابى وأمسى علاه الكبر

أي وقد علاه الكبر.
وقيل: أي وقد قاتل من بقي منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتل بعضهم.
وقال امرؤ القيس:
فإن تقاتلونا نقتلكم

وقرأ عمر بن عبد العزيز: {وقتلوا وقتلوا} خفيفة بغير ألف. {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ} أي لاسترنها عليهم في الآخرة، فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها. {ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}
مصدر مؤكد عند البصريين، لأن معنى: {لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} لاثيبنهم ثوابا. الكسائي: انتصب على القطع. الفراء: على التفسير. {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ} أي حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من جراء عمله، من ثاب يثوب.
السابعة عشرة: قوله تعالى: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} قيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد الامة.
وقيل: للجميع. وذلك أن المسلمين قالوا: هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد، وقد هلكنا نحن من الجوع، فنزلت هذه الآية. أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم. {مَتاعٌ قَلِيلٌ} أي تقلبهم متاع قليل. وقرأ يعقوب {يغرنك} ساكنة النون، وأنشد:
لا يغرنك عشاء ساكن ** قد يوافي بالمنيات السحر

ونظير هذه الآية قوله تعالى: {فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ} [المؤمن: 4] والمتاع: ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلا لأنه فان، وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل.
وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما ذا يرجع». قيل: «يرجع» بالياء والتاء. {وَبِئْسَ الْمِهادُ} أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم، وما مهد الله لهم من النار.
الثامنة عشرة: في هذه الآية وأمثالها كقوله: {أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} [آل عمران: 178] الآية. {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183]. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55]. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] دليل على أن الكفار غير. منعم عليهم في الدنيا، لأن حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والأجلة، ونعم الكفار. مشوبة بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها السم، فهو وإن استلذ آكله لا يقال: أنعم عليه، لأن فيه هلاك روحه. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. وذهب جماعة منهم سيف السنة ولسان الامة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا. قالوا: واصل النعمة من النعمة بفتح النون، وهي لين العيش، ومنه قوله تعالى: {وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ} [الدخان: 27]. يقال: دقيق ناعم، إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه. وهذا هو الصحيح، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال: {فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ} [الأعراف: 74]. {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البقرة: 172] والشكر لا يكون إلا على نعمة. وقال: {وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77] وهذا خطاب لقارون. وقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً} [النحل: 112] الآية. فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها. وقال: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} [النحل: 83] وقال: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [فاطر: 3]. وهذا عام في الكفار وغيرهم. فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه سم فقد رفق به في الحال، إذ لم يجرعه السم بحتا، بل دسه في الحلاوة، فلا يستبعد أن يقال: قد أنعم عليه، وإذا ثبت هذا فالنعم ضربان: نعم نفع ونعم دفع، فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون اللذات، ونعم الدفع ما صرف عنهم من أنواع الآفات. فعلى هذا قد أنعم على الكفار نعم الدفع قولا واحدا، وهو ما زوي عنهم من الآلام والاسقام، ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم عليهم نعمة دينه. والحمد لله.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: {لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} استدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي، لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير الانتفاع، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخلد الدائم. فموضع {لكِنِ} رفع بالابتداء. وقرأ يزيد بن القعقاع {لكن} بتشديد النون. الموافية عشرين- قوله تعالى: {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} نزلا مثل ثوابا عند البصريين، وعند الكسائي يكون مصدرا. الفراء: هو مفسر. وقرأ الحسن والنخعي {نُزُلًا} بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الباقون. والنزل ما يهيأ للنزيل، والنزيل الضيف. قال الشاعر: نزيل القوم أعظمهم حقوقا وحق الله في حق النزيل والجمع الانزال. وحظ نزيل: مجتمع. والنزل: أيضا الريع، يقال، طعام النزل والنزل.
الحادية والعشرون: قلت: ولعل النزل- والله أعلم- ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قصة الحبر الذي سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هم في الظلمة دون الجسر» قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» وذكر الحديث. قال أهل اللغة: والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه. والطرف محاسنه وملاطفة، وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل، والله أعلم. وزيادة الكبد: قطعة منه كالإصبع. قال الهروي: {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي ثوابا. وقيل رزقا. {وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ} أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا. والله أعلم.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} الآية. قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة والحسن: نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: «قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي»، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة، فأنزل الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ}. قال الضحاك: {وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} القرآن. {وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} التوراة والإنجيل.
وفي التنزيل: {أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54].
وفي صحيح مسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين- فذكر- رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران» وذكر الحديث. وقد تقدم في البقرة الصلاة عليه وما للعلماء في الصلاة على الميت الغائب، فلا معنى للإعادة.
وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وهذا عام والنجاشي واحد منهم. واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية. و{خاشِعِينَ} أذلة، ونصب على الحال من المضمر الذي في: {يُؤْمِنَّ}.
وقيل: من الضمير في: {إِلَيْهِمْ} أو في: {إِلَيْكُمْ}. وما في الآية بين، وقد تقدم.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} الآية. ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الاعداء والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدم في البقرة بيانه. وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الاعداء، قاله زيد بن أسلم.
وقال الحسن: على الصلوات الخمس.
وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو ينزع.
وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم. أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انتظار الفرج بالصبر عبادة». واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله. والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة:
فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ** ولا كافحوا مثل الذين نكافح

قوله صابروا مثل صبرنا أي صابروا العدو في الحرب ولم يبد منهم جبن ولا خور. والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله: {وَرابِطُوا} فقال جمهور الامة: رابطوا أعدائكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداءكم، ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» ثلاثا، رواه مالك. قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط هو الملازمة في سبيل الله. أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله. والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: «ليس الشديد بالصرعة» وقوله: «ليس المسكين بهذا الطواف» إلى غير ذلك.
قلت: قوله والرباط اللغوي هو الأول ليس بمسلم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله: {وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] على ما يأتي. وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رواه أبو هريرة وجابر وعلى ولا عطر بعد عروس.
الرابعة والعشرون: المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز ورواه. وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين. قال ابن عطية.
وقال ابن خويز منداد: وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد. وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق. والله أعلم.
الخامسة والعشرون: جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها».
وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان».
وروى أبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر».
وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم، فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد. والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة، لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة. وهذا لان أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام. وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، خرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من مات مرابطا في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع».
وفي هذا الحديث قيد ثان وهو الموت حالة الرباط. والله أعلم. وروي عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها». وروي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا- أراه قال: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما لم تكتب عليه سينه ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة».
ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطا. والله أعلم. وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم كألف سنة».
قلت: وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط، فقد يحصل لمنتظر الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى. وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال ح وحدثنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن نوف البكالي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ذات ليلة المغرب فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع، فجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حضره الناس رافعا أصبعه وقد عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول: «أبشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى». ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله: أن نوفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لتكونوا على رجاء من الفلاح.
وقيل: لعل بمعنى لكي. والفلاح البقاء، وقد مضى هذا كله في البقرة مستوفي، والحمد لله.